الجصاص
130
أحكام القرآن
يستحقون ماله بالإسلام فقد اجتمع للورثة القرابة والإسلام ، وجب أن يكونوا أولى بماله لاجتماع السببين لهم وانفراد المسلمين بأحدهما دون الآخر ، والسببان اللذان اجتمعا للورثة هما : الاسلام وقرب النسب ، فأشبه سائر الموتى من المسلمين لما كان ماله مستحقا للمسلمين كان من اجتمع له قرب النسب مع الاسلام أولى ممن بعد نسبه منه وإن كان له إسلام . فإن قال قائل : هذه العلة توجب توريثه من مال الذمي . قيل له : لا يجب ذلك ، لأن مال الذمي بعد موته غير مستحق بالإسلام ، لاتفاق الجميع على أن ورثته من أهل الذمة أولى به من المسلمين ، واتفاق جميع فقهاء الأمصار على أن مال المرتد مستحق بالإسلام ، فمن قائل يقول : يستحقه جماعة المسلمين ، وآخرين يقولون : يستحقه ورثته من المسلمين ، فلما كان ماله مستحقا بالإسلام أشبه مال المسلم الميت لما كان مستحقا بالإسلام كان من اجتمع له الاسلام وقرب النسب أولى من جماعة المسلمين . فإن قيل : فلو مات ذمي وترك مالا ولا وارث له من أهل دينه وله قرابة مسلمون كان ماله لجماعة المسلمين ولم يكن أقاربه من المسلمين أولى به ، لاجتماع السببين لهم من الاسلام والنسب . قيل له : إن مال الذمي غير مستحق بالإسلام ، والدليل عليه أنه لو كانت له ورثة من أهل الذمة لم يستحق المسلمون ماله ، وما استحق من مال الذمي بالإسلام لا يكون ورثته من أهل الذمة أولى به منهم بل يكونون هم أولى كمواريث المسلمين ، فدل ذلك على أن مال الذمي وإن جعل لبيت المال إذا لم يكن له وارث فليس هو مستحقا بالإسلام وإنما هو مال لا مالك له وجده الإمام في دار الاسلام ، كاللقطة التي لا يعرف مستحقها فتصرف في وجوه القرب إلى الله تعالى . فإن قيل : فقد قال أبو حنيفة فيما اكتسبه المرتد في حال ردته : " إنه فئ لبيت المال " وهذا ينقض الاعتلال ويدل على أصل المسألة للمخالف . قيل له : لا يلزم ذلك ولا دلالة فيه على قول المخالف ، وذلك لأن ما اكتسبه في حال الردة هو بمنزلة مال الحربي ولا يملكه ملكا صحيحا ، ومتى جعلناه في بيت المال بعد موته أو قبله فإنما يصير ذلك المال مغنوما كسائر أموال الحرب إذا ظفرنا بها ، وما يؤخذ على وجه الغنيمة فليس بمستحق لبيت المال لأجل الاسلام ، لأن الغنائم ليست بمستحقه لغانميها بالإسلام ، والدليل عليه أن الذمي متى شهد القتال استحق أن يرضخ له من الغنيمة ، فثبت بذلك أن مال الحربي ومال المرتد الذي اكتسبه في الردة مغنوم غير مستحق بالإسلام ، فلم يعتبر فيه قرب النسب والإسلام كما اعتبرناه في ماله الذي اكتسبه في حال الاسلام ، لأن ذلك المال كان ملكه فيه صحيحا إلى أن ارتد ثم زال ملكه عنه بالردة ، فمن يستحقه من الناس